رفيق العجم
مقدمة 43
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
ويعمد الغزالي إلى بيان شروط الإمامة الصحيحة التي تصحّ لكل مسلم من غير اختصاص نسل أو دم أو فئة ، مع خاصّية لقريش في بعض شروحه . ( فضائح الباطنية ، ص 180 ) . 5 - عطاء الغزالي وآراؤه : أليست هذه التيارات المتضاربة المتعارضة ، التي ملأت فضاء الغزالي الثقافي ، وعصفت بالمعارف والتعاليم والأنشطة والأنظمة ، كافية في أن توقع الإمام بحيرة واضطراب وتشكّك ؟ ألم تتقاطع وتختمر في لحظة حجّة الإسلام الزمنية ؟ يمكن القول - من وجهة نظرنا - إن الغزالي أبدع في أصول الفقه في بعض الشروح ، وكان واضحا في كتاباته عميقا زاد في خط الشافعي ( - 204 ه ) الأصولي ، وتطرّق إلى شواهد فقهية دقيقة . ونحن نعلم أن المذاهب الفقهية والأصولية كانت قد نضجت في عصره . وأنه قد تلقّى الكثير من الفقه والأصول على يد الجويني كما سنذكر . لكن تفصيله وتجديده الأصوليين تأثّرا بمطالعاته المنطقية ، إضافة إلى رغبته العارمة في القضاء على روح الانحراف ، والتي تفشّت في عصره على أيدي قضاة الشرع الذين نزعوا إلى استغلال مناصبهم . فدفع ذلك الغزالي إلى أن يتشدّد في قواعد الفقه ، ويقيّدها بطرق الاجتهاد الصارمة التي وضع لها الأسس والمناهج ، رافضا كل طرق الاستدلال ، من استحسان الحنفية واستصلاح المالكية وغيرها ، مكرّسا القياس في نسقه المعياري . وقد أدخل منطق أرسطو بقوالبه وضروبه والأقيسة الشرطية إلى أصول الفقه جاعلا إيّاها الأصل الرابع ؛ بعد أن طوّع هذه الأقيسة وحوّل معانيها وتراكيبها ، طابعا إيّاها بخصوصية اللسان العربي وكنه المفاهيم الإسلامية فكان عمله بديئا متميّزا وتجربة محط درس وتحليل « 1 » . ولكن الغزالي في تبنّيه للمنطق ، وهو عمود الفلسفة اليونانية والمشائية ، تبنّيا تامّا وإدخاله في مباحث الأصول إدخالا كلّيا ، بقي على وساطيته في الأخذ من العقل والشرع ، مثلما كان موقفه في التجارب الكلامية والصوفية . « فالذي يقنع بتقليد الأثر والخبر وينكر مناهج البحث والنظر لا يستتبّ له الرشاد . لأن برهان العقل هو الذي يعرف به صدق الشارع . . . فالمعرض عن العقل مكتفيا بنور القرآن كالمعترض لنور الشمس مغمضا الأجفان » « 2 » . ومن أبرز مواقف الغزالي في تبنّي المنطق مقدّمته في كتاب المستصفى من علم الأصول ، وبه ظهر أصوليّا مجدّدا عمل على مزج الاجتهاد بالمنطق والتحرّر من كل مبحث أصولي سابق ، وممّا قاله في هذه المقدّمة :
--> ( 1 ) راجع كتابنا : المنطق عند الغزالي في أبعاده الأرسطوية وخصوصياته الإسلامية ، بيروت ، دار المشرق ، 1986 . ( 2 ) الغزالي ، الاقتصاد في الاعتقاد ، القاهرة ، التجارية الكبرى ، 1936 ، ص 2 .